اقتصاد

تحليلات اقتصادية | النمو المعتدل للاقتصاد العالمي مستمر.. طويلاً

سيشهد العام الحالي نموا اقتصاديا معتدلا يتسم بارتفاع في فرص العمل وانخفاض في التضخم. وبكلمات أخرى، اقتصاد حار بدرجة تكفي لدفع نمو الأرباح أو الحفاظ عليه، وبارد بما يكفي لإحجام السلطات النقدية عن اللجوء إلى تشديد سياستها. وقد شهدنا كيف أن تدابير السياسات النقدية التي تم اتباعها لعلاج ضغوط التضخم الناتجة عن فرط النشاط الاقتصادي تسببت في كثير من الأحيان في حدوث حالات من الركود وهبوط الأسواق في وقت واحد.

فالاعتدال هو السيناريو المريح لإمكانية نمو مستمر مع مخاطر هبوطية منخفضة. لا شك أنه في وقت ما من الربع الثالث من العام الماضي، انقلبت مخاوف حدوث ركود /‏‏ انكماش عالمي بفضل تيسير السياسات النقدية بدرجة كبيرة علاوة على التطورات الإيجابية التي طرأت على المفاوضات التجارية. ومنذ ذلك الوقت، اكتسبت دورة التوسع الاقتصادي الطويلة مزيداً من الدعم مع ارتفاع جميع فئات الأصول الرئيسية تقريباً. ويمكن ملاحظة ذلك في الارتفاع الحاد لمؤشر Sentix الاقتصادي الكلي العالمي من وضع كان سلبياً ومتدهوراً إلى آخر إيجابي وآخذ في التحسن. ويتتبع هذا المؤشر معنويات المستثمرين حول النشاط الاقتصادي. وقد تحولت المخاوف الهبوطية فجأة إلى وضع «موزون تماماً». ولكن هل يمكن أن يستمر هذا الوضع المثالي لفترة طويلة؟

أربعة أسباب وراء اعتدال النمو في 2020
أولاً – من غير المرجح أن تغير البنوك المركزية الكبرى الإجراءات التيسيرية المنفذة أخيراً. إن فرص حدوث «ذعر تضخمي» كبير ضئيلة بسبب استمرار قوى الانكماش الطويلة الأجل، بما في ذلك العولمة والفجوة الهيكلية في القدرة على المساومة بين العمالة ورأس المال. فذلك يضع سقفاً لنمو الأجور ويحد من احتمالات تسارع التضخم. علاوة على ذلك، يقوم الاحتياطي الفدرالي حالياً بتغيير وظيفة ردود فعل السياسة النقدية، أي فعالية استجابة أسعار الفائدة الاسمية للتغيرات في التضخم والإنتاج. فقد تحول مسؤولو بنك الاحتياطي الفدرالي إلى نهج جديد يستهدف «توازن التضخم» خلال دورة العمل، أي أنه من المتوقع أن تعوّض الفترات التي يرتفع فيها التضخم إلى أعلى من المستوى المستهدف عن الفترات التي يقل فيها التضخم عن المستوى المستهدف.

ثانياً – هناك تراجع في التأثيرات المعاكسة العالمية المتمثلة في المخاطر السياسية والجيوسياسية. ويعود ذلك إلى تراجع احتمالات تبلور المخاطر وانخفاض التأثيرات المحتملة الناجمة عن الاضطرابات الاقتصادية المتوقعة. وتشمل التطورات الإيجابية بالنسبة للمستثمرين: المرحلة الأولى من الاتفاق التجاري بين الولايات المتحدة والصين، وتراجع التوترات التجارية بين الولايات المتحدة وحلفائها التقليديين، وتلاشي المخاطر المرتبطة بالخروج القاسي لبريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وتراجع التوجه المعادي للأعمال التجارية في الأجندة السياسية الأميركية. ولذلك لا يُرجح أن تؤدي الأحداث الخارجية إلى هبوط اقتصادي كبير خلال الأرباع القادمة.

ثالثاً – يتراجع حالياً الاقتصاد الصيني إلى أدنى مستوياته، ويوفر الاتفاق التجاري الأولي مع الولايات المتحدة مساحة أكبر لتحفيز الاقتصاد عبر السياستين المالية والنقدية. وفي حين نتوقع أن تواصل بكين نهجها الحذر، إلا أننا ندرك أن إضفاء الطابع الرسمي على الاتفاق مع الولايات المتحدة والإجراءات السياسية الأخيرة يشيران إلى اتخاذ السلطات الاقتصادية لتدابير تيسيرية أقوى. في الماضي، امتد تأثير التحفيز المالي والنقدي في الصين إلى الأسواق الناشئة وغيرها من الاقتصادات المفتوحة، ما دعم الدورات الصغيرة للنمو العالمي المتزامن.

رابعاً – سيكون تأثير العوامل العالمية المواتية مفيداً بشكل خاص للأسواق الناشئة، التي عانت سابقاً من تشديد الأوضاع المالية العالمية بقيادة الولايات المتحدة. ومن المتوقع أن يؤدي تأثير الإنعاش القادم من الاقتصادات المتقدمة والصين إلى تعزيز شهية المخاطرة لدى المستثمرين، حيث سيدفع رؤوس الأموال إلى الأسواق الناشئة. وغالباً ما يؤدي ذلك إلى حدوث دورة من التأثيرات الإيجابية المرتدة.

 

(بوابة الاقتصاد)

إغلاق