أسواق عالمية

بعد الغرق .. هل يطفو النفط الصخري الأمريكي ثانية

الطلب من العالم المساعدة على إنقاذ قطاع النفط الأمريكي، لم يكن جزءا من رؤية الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لـ”هيمنة الطاقة الأمريكية” عالميا.
فشلت رؤية الرئيس ترمب لأنها غير قادرة على التغلب على انهيار الطلب العالمي بسبب فيروس كورونا، ومعها ذهبت ثورة النفط الصخري التي حولت الولايات المتحدة إلى أكبر منتج للنفط في العالم.
وصلت اللحظة الحاسمة إلى ما وصفه المتداولون بعبارة “الإثنين الأسود” عندما هوت أسعار النفط الأمريكية إلى ما دون الصفر للمرة الأولى، تاركة حتى التنفيذيين المتشددين في مجال النفط يتساءلون عن الكيفية التي يمكن أن تتعافى بها الشركات، التي اضطرت من الناحية العملية أن تدفع المال إلى الزبائن ليأخذوا نفطها.
الصناعة التي سمح نموها لترمب بالتفاخر بخفض اعتماد الولايات المتحدة على النفط من الخارج، وحرر يده لمعاقبة مصدري الطاقة من إيران إلى روسيا، أصبحت الآن خاوية الوفاض.
يعاني المنتجون في جميع أنحاء بقعة النفط الأمريكية، وكثير منهم بتكاليف أعلى من المنافسين الدوليين من محنة شديدة، مطالبين واشنطن بتخفيف الألم عن طريق قطع واردات النفط الأجنبية، أو إدراجهم ضمن عمليات الإنقاذ المالي من الجائحة لدرء الإفلاس وفقدان الوظائف.
يقول رئيس إحدى شركات النفط الصغيرة: “إذا خرجت من العمل أو أغلقت الآبار، فإنني لن أكون وحدي، لأن هناك الرجال الخمسة الذين يخدمون الآبار ويشحنون النفط ويؤجرون شاحناتهم، وفوق ذلك هناك المجتمع الذي يعتمد على دولارات الضرائب”.

تضاعف إنتاج النفط خلال 5 أعوام

أعضاء مجلس الشيوخ من الولايات المنتجة للنفط بمن في ذلك تيد كروز من ولاية تكساس، يتوسلون إلى الحكومة الأمريكية لإدراج منتجي الطاقة المحليين ضمن التسهيلات الائتمانية للشركات الفاشلة.
وقالوا في خطاب أرسلوه يوم الثلاثاء الماضي، إن الفارق قد يكون بين “الحفاظ على إنتاجنا المحلي من الطاقة” و”التخلي عن المزيد من الوظائف الأمريكية، والعودة إلى الاعتماد على مصادر النفط الأجنبية”.
يبدو أن الدعم من نوع ما أمر لا مفر منه الآن، ولكن أيا كان الشكل الذي يتخذه يبدو أن تراجع قطاع النفط الأمريكي، من المحتمل أن يكون مذهلا تماما مثل ارتفاعه في الأعوام الأخيرة.
بلغ الإنتاج الأمريكي نحو 13 مليون برميل في اليوم في نهاية عام 2019 – وهو العام الثالث من الزيادات التي سمحت للولايات المتحدة بمفردها، بتلبية إجمالي الاحتياجات السنوية الإضافية من النفط لاقتصاد عالمي آخذ في التوسع.
منذ عام 2008، زاد إنتاج النفط الأمريكي إلى أكثر من الضعف. الناتج سينخفض إلى 11 مليون برميل في اليوم بحلول عام 2021، وفقا لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية.
سكوت شيفيلد، رئيس شركة بايونير ناتشورال ريسورسز، أحد أكبر منتجي النفط الصخري في الولايات المتحدة، قال في مقابلة مع صحيفة “فاينانشيال تايمز”، إنه عند عشرة دولارات للبرميل سينخفض الإنتاج إلى سبعة ملايين برميل في اليوم – ما يعني هبوطا أكبر من إجمالي إنتاج العراق، ثاني أكبر منتج في منظمة أوبك.
وقال شيفيلد إنه حتى عند 35 دولارا للبرميل، سينتهي الناتج الأمريكي من النفط إلى ما هو أدنى بنحو ثلاثة ملايين برميل يوميا، عن ذروته في 2019.
هذا من شأنه أن يكون ضربة خطيرة للصناعة التي أثنى عليها ترمب في خطاب حالة الاتحاد في كانون الثاني (يناير) الماضي، لأنها جعلت الولايات المتحدة “مستقلة من حيث الطاقة”.

توقع عودة أمريكا إلى وضع المستورد الصافي

بحلول نيسان (أبريل) الماضي ومع تراجع الأسعار بقوة، توقعت إدارة معلومات الطاقة أن “تعود الولايات المتحدة إلى كونها مستوردا صافيا للنفط الخام والمنتجات البترولية في الربع الثالث من عام 2020”.
تقول ميجان أوساليفان، رئيسة برنامج الجغرافيا السياسية في كلية كينيدي في جامعة هارفارد، إن ثورة النفط الصخري عززت وضع الولايات المتحدة على المستوى الدولي، من خلال “تغيير البيئة الاستراتيجية العالمية بطريقة جعلتها أكثر ملاءمة لمصالح الولايات المتحدة”.
وتضيف: “وفرة الطاقة العالمية التي كانت في جزء كبير منها بسبب النفط الصخري الأمريكي ساعدت حلفاء الولايات المتحدة، وعلى العموم كانت تميل إلى إيذاء خصومها من إيران إلى روسيا إلى فنزويلا”.
من المحتمل أن تكون هناك تداعيات اقتصادية لانهيار النفط في عام الانتخابات. يدعي معهد البترول الأمريكي، وهو مجموعة ضغط لصالح شركات النفط الكبرى، أن قطاع النفط يمثل 10 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة، على الرغم من أن التقديرات الأخرى أكثر تواضعا.
قالت ورقة حديثة من خدمة أبحاث الكونجرس إن حصة النفط من العجز التجاري، قد انخفضت من النصف في كانون الأول (ديسمبر) 2010 إلى سالب 0.1 في المائة في كانون الأول (ديسمبر) 2019.
هذه المكاسب هي الآن موضع شك في الوقت الذي يعمل فيه المنتجون الكبار – من شركة إكسون موبيل إلى المتخصصين في النفط الصخري مثل شركة كونتيننتال ريسورسز– على تخفيض النفقات الرأسمالية أو التعهد بخفض الإنتاج.
منذ الآن، قلص القطاع نحو 53 مليار دولار من الإنفاق المخطط له بنحو 130 مليار دولار هذا العام، وفقا لشركة ريستاد للطاقة.

تراجع أعداد الحفارات

انخفض عدد الحفارات العاملة في الحقول الصخرية الأمريكية بنسبة 40 في المائة في الأسابيع الأربعة الماضية، وفقا لشركة إنفيراس، وهي شركة بيانات. وقد انخفض الناتج بنحو 900 ألف برميل في اليوم خلال الفترة نفسها، حسب إدارة معلومات الطاقة.
ارتد النفط مرة أخرى إلى نحو 20 دولارا للبرميل في الأيام الأخيرة، لكنه لا يزال أقل من نصف السعر الذي يحتاج إليه معظم منتجي النفط الصخري لتحقيق التعادل، لذا فإن الخسائر الأعمق أمر لا مفر منه.
يقول ريان دومان، وهو محلل في شركة وود ماكينزي للاستشارات، إن الولايات المتحدة يمكن أن تخسر ما بين مليونين وثلاثة ملايين برميل من الناتج في اليوم بحلول نهاية عام 2020 – أكثر بكثير مما فقد في انهيار الأسعار خلال 2015-2016. ويضيف: “دخلت الشركات الانكماش الحالي، وهي في وضع أكثر هشاشة بكثير”.
في 1 نيسان (أبريل) الماضي، أصبحت “وايتينج بتروليوم” أول شركة كبيرة من منتجي النفط الصخريل تقدم طلب إفلاس خلال هذه الأزمة، بموجب الفصل الحادي عشر.
عدد حالات الإفلاس كان يتجه إلى الارتفاع قبل انخفاض الأسعار، كما يقول المحامون في شركة هاينس آند بون المتخصصة في إعادة الهيكلة. على أن من المحتمل حدوث طفرة الآن.
بينما يتم نقل الحفارات من أجل إيقافها عن العمل، فإن سلسلة الإمداد بأكملها – من أطقم التكسير إلى شركات التموين – ستتحمل العبء الأكبر. يتم استخدام نحو 90 في المائة من النفقات الرأسمالية للمنتجين، لتسديد تكاليف شركات خدمات حقول النفط التي تؤدي العمل بالفعل.

العسر المالي يحيط بالشركات

شركات شلومبيرجر وبيكر هيوز وهاليبرتون، أكبر ثلاث شركات تزود الخدمات في العالم، تعمل الآن على تخفيض نفقاتها الخاصة. يقول ماثيو فيتزسيمونز، وهو محلل في شركة ريستاد، إن ما يصل إلى 220 ألف وظيفة يمكن أن تضيع في هذا القطاع.
سيمتد الألم من المجموعات متعددة الجنسيات إلى المشغلين المحليين. طلب الإفلاس الذي تقدمت به شركة وايتينج يشتمل على قائمة تضم 25 متعاقدا لم تسدد أتعابهم حتى الآن.
شركة شلومبيرجر، التي تبلغ قيمتها المؤسسية 37 مليار دولار، مدينة بمبلغ تسعة ملايين دولار. شركة سي إس ويلدينج، وهي شركة عائلية في داكوتا الشمالية، مدينة بمبلغ 1.5 مليون دولار.
القطاع منقسم حول كيفية الاستجابة. يصر معهد البترول الأمريكي الذي يمثل شركات النفط الكبرى، على أن السوق الحرة ينبغي أن تحكم. التنفيذيون من المنتجين الصغار للنفط الصخري يعترضون على ذلك، ويقولون إن المنافسين الأكبر سعداء برؤية انتشار الإجهاد، حتى يتمكنوا من اقتناص الأصول المنكوبة.
يستمر البعض في إلقاء اللوم على موردي النفط الأجانب، مشيرين إلى السفن الخارجية المحملة بالنفط وهي تبحر باتجاه الولايات المتحدة، على الرغم من التخمة التي تهدد بأن تغمر طاقة صهاريج التخزين.
هارولد هام، أحد المقربين من ترمب ويدير شركة كونتيننتال ريسورسز، يريد فرض رسوم جمركية على واردات النفط. يطالب المنتجون الآخرون بإعفاءات ضريبية أو أن تشتري الحكومة نفطهم الخام. يناقش المنظمون في تكساس ما إذا كان سيتم إحياء آلية عمرها عقود من الزمن لفرض قيود على الإنتاج.

ترجيح نجاة 10-15 شركة فحسب

يقول مات بورتيو، لدى بنك تيودور بيكرينج هولت وشركاه: “سيكون هذا تحولا طويل الأمد وهيكليا”. من بين عشرات المشغلين في بقعة النفط الصخري الآن، يتوقع بقاء 10 إلى 15 مشغلا فقط على قيد الحياة.
السؤال الأطول أجلا هو ما إذا كان يمكن للشركات أن تنمو مرة أخرى، في الوقت الذي يصوب النفط الصخري أوضاعه ويتم التخلص من الشركات الضعيفة.
في 2015-2016، تمكن منتجو النفط الصخري من النجاة من حرب أسعار سابقة، ولكن بخسارة نحو 50 في المائة من تكاليفهم، والتمسك بالمستثمرين لضمان مرحلة نمو جديدة مذهلة. عندما بدأت منظمة أوبك في خفض الإمدادات مرة أخرى، قفز الإنتاج الأمريكي بنحو أربعة ملايين برميل في اليوم، في غضون ثلاثة أعوام ونصف العام فقط.
هذا النجاح أخفى خيبة أمل وول ستريت المتنامية في قطاع بدا أنه يعطي أولوية لنمو الناتج على الربحية. صحيح أن التنفيذيين في النفط الصخري يلومون الوباء على محنتهم، لكن المستثمرين منزعجون في الأصل من الصناعة. ضغط التكاليف هذه المرة سيكون أصعب بكثير.
يقول بودي كلارك من شركة المحاماة هاينس: “لم يعودوا يخفضون الشحم الزائد بعد الآن، إنهم يقطعون اللحم والعظام”. يعتقد بعض المستثمرين أن هناك حاجة ماسة إلى عمليات تصويب قاسية أخرى في النفط الصخري. حالات الإفلاس والاستحواذ ستقلل عدد شركات النفط الصخري، لكن هناك شركات قادرة على المواصلة بأموالها الطائلة: إكسون موبيل وشيفرون وعدد قليل من المنتجين المستقلين الكبار الآخرين، الذين يتمتعون بالمقدرة على النجاة من الركود.
يقول أندرو جيليك من شركة آر إس إينرجي: “تركز التجارة في وول ستريت في الوقت الحالي على المنتجين الذين يمكنهم النجاة من هذا الانهيار، والتنظيف إذا ارتفعت أسعار النفط بسبب عمليات الإغلاق الكبيرة”.
الذين يراهنون على أن صناعة النفط الصخري ستتناقص، وانخفاض الإنتاج، قد يبشر بعصر جديد من أسعار النفط عند 100 دولار، قد يخيب أملهم.
ستراقب السوق عن كثب صراع النفط الصخري، مع التركيز على عمليات الاستحواذ على المراهنين على كسب حصة أكبر من السوق – وفي النهاية – انتعاش الأسعار.

قتل تشريع “نوبيك”

ظهور ترمب بصورة حمائمية يسعد التنفيذيين الروس، الذين شجعوا الكرملين على أن يدرك أن أقطاب النفط الأمريكي ليسوا مهمين أو بارعين كما كانوا يظنون.
ربط الولايات المتحدة بالصفقة يخدم أيضا مصالح منظمة أوبك. يقول أنس الحاجي، وهو مستشار للدول المنتجة للنفط، إن تورط ترمب “قتل أخيرا” ما يسمى تشريع “نوبيك” في الكونجرس، الذي من شأنه أن يفتح أمام منتجي منظمة أوبك الباب أمام رفع دعاوى مكافحة الاحتكار في الولايات المتحدة. ويقول: “في الواقع، موقف الرئيس الأمريكي كان المسمار الأخير في نعش نوبيك”.
في حين ستشهد السوق فوائد من تقلص النفط الصخري، إلا أن الأمر لا يخلو من المخاطر. صناع السياسة الأمريكيون ينحون باللائمة على الكل في انهيار النفط. وكلما طالت فترة استمرار انخفاض الأسعار، زادت احتمالات الإجراءات التي تستهدف الآخرين.
تقول أوساليفان: “لا أرى تغييرا كبيرا في المواقف الأمريكية تجاه إمدادات النفط الأجنبية، التي يريد الأمريكيون – من الرئيس إلى أسفل – تقليلها”.
تهديدات أعضاء مجلس الشيوخ في الولايات النفطية زادت عن الحد وطالت الكل. وقد تجد موسكو التي تعاني أصلا عقوبات الطاقة الأمريكية، أن انخفاض الأسعار يسهل على واشنطن فرض مزيد من القيود.
كما أنهما لم ينجحا في إزالة النفط الصخري بالكامل من المعادلة، إذ تعتمد الميزانيات الحكومية بشكل أكبر بكثير على عائدات النفط. وقد يكون من غير المحتمل أن يضخ وول ستريت السيولة النقدية في النفط الصخري هذه المرة إذا بدأت الأسعار في الارتفاع، لكن الارتفاع إلى مستوى 80 سيكون أمرا مختلفا. لا يزال بإمكان النفط الصخري أن ينمو مرة أخرى – بالسعر المناسب.
تقول إيمي مايرز جاف من مجلس العلاقات الخارجية: “من الخطأ تصور إمكانية إغلاق صناعة النفط الصخري من خارج الولايات المتحدة، فكل ما يمكن فعله من الخارج هو تغيير ملكية الشركات” بنقلها من يد أمريكية إلى أخرى أمريكية أيضا، على الأرجح.

كابشن: ما حدث من الناحية العملية كان فوق الوصف إذ دفعت الشركات المال للزبائن كي يشتروا خاماتها النفطية
كابشن: يعاني المنتج الأمريكي ارتفاع تكلفة استخراج النفط أكثر من المنافسين الدوليين وهنا سبب المعاناة
كابشن: لوبي الولايات المنتجة للنفط وبالذات من ولاية تكساس يتوسل لإدراج الصناعة ضمن التسهيلات الائتمانية
كابشن: بلغ إنتاج أمريكا 13 مليون برميل في اليوم في 2019 أي أنه منذ 2008 زاد إنتاج النفط الأمريكي بأكثر من الضعف

إغلاق